الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

320

شرح ديوان ابن الفارض

بساحته . وما أحسن قول أحمد بن الحسين المتنبي رحمه اللّه تعالى : وشيكتي فقد السقام لأنه * قد كان لمّا كان لي أعضاء وقوله فعسى في المنام يعرض لي الوهم مفرع على طلبه أن يمر الغمض بجفنه ، كأنّ قائلا يقول : ما ينفعك مرور الغمض بجفنك حتى طلبت من الحبيب أن يأمر الغمض بالمرور به . فقال : عسى في المنام يعرض لي الوهم سراك إلي سرّا ، أي في السرّ ، فيكون سرّا منصوبا على الظرفية ، ويجوز أن يكون سرّا مفعولا به ليوحي ، والفاعل سراك على وزن هداك إليّ سرّا من الأسرار الإلهية . ولا يخفى عليك ما في هذه الأبيات الثلاثة من المبالغات التي تقتضي غاية الشكاية من دواعي الغرام وبواعث الهيام . وآخر المصراع الأول الهاء في الوهم ، وأول الثاني الميم . والقصيدة من البحر الخفيف . ( ن ) : قوله ذاب قلبي ، القلب كناية عمّا ينفخ فيه من الروح ، و ( الروح من أمر الله ) ، و ( أمر اللّه كلمح بالبصر ) فالقلب كلمح بالبصر فهذا معنى الذوبان هنا . وقوله « فأذن له » جواب القسم ، المقدّر . اه . وإذا لم تنعش بروح التّمنّي رمقي واقتضى فنائي بقاكا وحمت سنّة الهوى سنة الغم ض جفوني وحرّمت لقياكا أبق لي مقلة لعلّي يوما قبل موتي أرى بها من رآكا [ الاعراب ] « تنعش » : مضارع أنعش ، ومعناه رفع كأن رمقه وهو بقية الحياة كان منحطّا وارتفاعه إلى مرتبة القوة يكون بروح التمني ، وهو بفتح الراء وسكون الواو بمعنى الراحة ، يعني إذا لم تنتهض بقية روحي براحة تمنّيك واقتضى فنائي ولكن بشرط أن يكون فنائي سببا لبقائك ، وهذا رجوع إلى قوله رضي اللّه عنه : « ذاب قلبي فأذن له يتمناك » . يعني إذا لم تأذن لي في تمنّيك ولم تنعش روحي بروح تمنّيك فعلّك أن تمنّ عليّ وتبقي لي من جسمي الذي هو بصدد الفناء في حبك مقلة فلعلّي أن أرى بها من رآك . وما ألطف هذه المبالغات في هذه الأبيات . الأبيات أولا تنظر إلى قوله رضي اللّه عنه : أبق لي مقلة الخ ، حيث قال : « أبق » ، فيقتضي أنه كان قادرا على إفنائه مطلقا ولكنه طلب منه مقلة ، أي ولو واحدة ، وقال « لعلي » : أي بطريق الترجّي طلب إبقاء المقلة لرجاء أن يرى بها . وقال « يوما » : أي ولو في يوم مجهول وقد يطلق اليوم على مطلق الزمان ولو قصر فيكون حينئذ أدخل في باب المبالغة . وقال « قبل موتي » : إشارة إلى أنه مستشرف أن يشرف على منازل الفناء . وقال « أرى بها من رآكا » : إشارة